سيرة امرأة وُلدت في بلد محتل وماتت أعظم عالِمة في زمانها، فاكتشفت النشاط الإشعاعي وغيّرت فهم البشر للذرة، ثم سخّرت علمها لإنقاذ الأرواح في ساحات الحرب، وهي إلى اليوم المرأة الوحيدة التي حازت جائزتي نوبل، وأول امرأة تنال الدكتوراه في فرنسا.
ماذا ستتعلم من هذا الملخص؟
كيف صنعت امرأة فقيرة محتلة الوطن مجدها بالعلم
لماذا حُرمت ماري كوري التقدير الذي ناله زوجها
ما ثمن الاكتشاف العلمي حين يجهل صاحبه خطره
كيف يصمد الطموح أمام الفقر والظلم والثكل
بداية الملخص
الفصل 1 طفلة وُلدت في وطن ممنوع
وُلدت ماريا سالومِيا سكوودوفسكا في وارسو يوم السابع من نوفمبر سنة سبع وستين وثمانمئة وألف، وكانت أصغر خمسة إخوة، أمها مديرة مدرسة وأبوها أستاذ للفيزياء، فغرسا في صغيرتهما حب العلم قبل أن تعي ما العلم، إذ كانت في الرابعة من عمرها حين وقفت مبهورة أمام خزانة أبيها الزجاجية التي يسميها «أدوات الفيزياء»، وفيها رفوف من الآلات وعينات المعادن وجهاز كهربائي رقيق من رقائق الذهب، لم تفهم لِمَ هي ولا كيف تعمل، لكن الشغف بها لازمها طول حياتها.
وفي تلك السنة نفسها ظهر ذكاؤها العجيب، فقد رأت أختها الكبرى برونيا تتعثر في قراءة كتاب، فأخذت الصغيرة الكتاب من يدها وقرأت أول جملة فيه قراءة سهلة لا تلكؤ فيها، فذُهل أهلها جميعاً، حتى ظنت الطفلة أنها أذنبت فأخذت تبكي.
غير أن الموهبة شيء والفرصة شيء آخر، فقد كانت بولندا يومئذ تحت احتلال روسيا منذ أكثر من خمسين سنة، والروس يطمسون هوية البولنديين وثقافتهم، فلافتات الشوارع كلها بالروسية، والكلام بالبولندية في المدارس ممنوع، حتى اسم «بولندا» مُحي من الخرائط، وقد ذاقت أسرة ماريا مرارة هذا الاحتلال، فقد كانوا من نبلاء بولندا فصادر الروس أكثر أملاكهم وأراضيهم، حتى صاروا يعيشون في وارسو على رواتب زهيدة وحال قلقة، فلا عجب أن يكون الأبوان وطنيَّين يكرهان روسيا القيصرية كراهية ورّثاها لأبنائهما.
وكان أبوها يظن أنه يحفظ الروح الوطنية بعمله، فكان يلقي على طلابه سراً دروساً في أمجاد بولندا ليبثّ فيهم حب الوطن، فلم تثق به السلطات وكلّفه ذلك وظيفته أخيراً، فاضطرت الأسرة إلى الانتقال إلى شقة أصغر وإلى التدريس الخصوصي لتسدّ الرمق، حتى ضاق البيت فصارت ماريا تنام على أريكة في غرفة الجلوس، وما كانت تلك حالاً تليق بنابغة صغيرة جائعة إلى المعرفة، لكنها رغم ذلك، بل لعلها بسببه، انكبّت على دروسها انكباباً.
ولما بلغت السادسة عشرة تخرجت في أول دفعتها، وعقدت مع أختها برونيا عهداً، فكلتاهما تتوق إلى دراسة العلم والطب، لكن النساء لم يكن يُسمح لهنّ يومئذ بدخول الجامعة في بولندا، ولم يبقَ…